الهجرة و الوهم

00447

أن تكون مختلفاً في وسط مجتمع يرفض كل ماهو مختلف عنه في التفكير ، في نمط الحياة الممارسات اليومية , الميول الجنسية؛ هو أمر محبط!
ليس وَحدَه الإحباط الذي يأسر تفكيرك وشعورك، إنما الخوف أيضاً.الخوف من انتهاك مساحتك الشخصية وخصوصياتك و الخوف من النبذ والتعنيف، الخوف على حياتك أحياناً كثيرة، الخوف من أصدقائك و الخوف من أهلك.
هذا ماكان يجول في فكري وماكنت أشعر به منذ سِت سنوات وقبل أن أقرر مُجبرة أن أخوض فكرة الهجرة ،الهروب أو اللجوء خارج بلدي ومجتمعي وأهلي ؛من أجل ألا أشعر بالخوف أو النبذ والكراهية، من أجل الحب ومستقبل في ظروف ومساحة لحريات أفضل و من أجل أن أعبر عن نفسي بدون خوف.ذلك الهاجس بالرحيل وضرب ثمان و عشرين سنة عرض الحائط ، مع الشعور بالغضب والغيظ لأنني  قد ولدت في هذا المجتمع العدائي الرافض لتقبل الآخر المختلف عنه هذا المجتمع المليئ  بالتناقضات والمحرمات ، وشعوري الدائم أنني مواطنة من الدرجة ثانية.
ربما معظمنا كمختلفي ميول جنسية لدينا هذا الهاجس وينخرنا الإحباط حتى العظم، نحلم ببلد أفضل، دول أروبية أو دولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تُحترم فيها حقوق الإنسان والحريات والاختيارات الشخصية.

الواقع والحقيقة من خلال تجربتي الشخصية لتلك الحياة والرؤية غير الحكيمة للمستقبل وترسٌبات ومخلفات ثمان و عشرين سنة في بلد عربي محافظ. و جنسيتي التي أحملها في أوراقي الرسمية، و ملامحي العربية لم تجعل حياتي في بلد أروبي بهذه الروعة.
أن تكون لاجئ في بلد أروبي ،أن تبتدئ من الصفر ،ألا يعترف بشهاداتك الدراسية ، أن تصارع نظام طبقي رأسمالي , أزمة اقتصاد عالمي ، عنصرية، صراع ثقافات وحضارات،  و صراع دائم مع الحياة  لإثبات نفسك ، فأما أن تجد عملا أو أن تنتهي في الشارع كمشرد أو أن تجبر على عمل فقط من أجل المال لأنه ليس هناك اختيارات أخرى-  كل هذا- وأنت فقط دون سن الثلاثين ،و ألا تجد البديل حتى للعودة إلى بلدك—دعني أخبرك أنه ليس بالأمر الهين ،وعليك التفكير به بجدية.

شِعارات كثيرة عن حقوق الإنسان، خذلان وبيروقراطية جاحفة، و قوانين تحجم من حريتك و تنقلاتك وخياراتك حتى و إن كانت ظاهرياً تبدو مبارَكة بإسم حقوق الانسان.
هذا غير أنه سيقابلك الكثير من العرب الذين جاءوا بثقافة الرفض والاحتقار للمختلفين عنهم في بلدانهم وينددون ويكافحون من أجل بقاء ترسبات الجهل والتخلف؛ لذا ستجد نفسك تخوض نفس الصراع ونفس الخوف و إن لم تعر إهتماماّ لنبذهم لك ،و فضّلت الابتعاد عن أبناء مجتمعك- إنه كالخروج من قفص صغير إلى قفص كبير.

ويتضح الأمر جلياَ لك -وربما يصاحبك الشعور بالندم أحياناً والحنين أحياناً أخرى ،لأننا ببساطة نحمل تجربتنا و ماضينا وذكرياتنا معانا كأكياس ثقيلة على ظهورنا.أنا لا أحاول احباطكم ، و لكن كل مافي الأمر أني لا أجُمل حقيقة الحياة المحبطة سَلفاً في غياب الإنسانية والأخوية وتفاقم الأنانية—والعالم الذي أصبح سوقاً وسلع لصالح شركات وبنوك عالمية منبعها في دول أروبية وأمريكية.

هذه تجربتي الشخصية و بعض من تجارب الآخرين في صراعهم اليومي  في دول أجنبية(ومع ذلك لايزال صديقي يردد ليهوّن على نفسه، أن هذه البلد لاتزال أفضل حالاً من بلداننا).
أن تنتقل من مجتمع  مصاب بالسرطان إلى مجتمع مصاب بالعمى لا يجعل حالك أفضل إلا إذا كنت غير مهتم بما يدور حولك.
لكني لا أنكر أنه بإمكاني أن أقبّل حبيبتي أمام أعين الجميع دون أن ينحر أحدهم رقبتي أو يغتصبني بمباركة المجتمع.

النص بواسطة: أماني

هذا المنشور نشر في لجوء, مثليات, مثلية, مجتمع, مختلفي توجهات جنسية و جندرية, مرأة, مصر, نسوية, هموفوبيا, هجرة, ترانسفوبيا, دين, شمال أفريقيا, شرق أوسط. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s